النويري

84

نهاية الأرب في فنون الأدب

الحناجر ، محمارّة احمرت لها خضرة السماء ، واغبرّت مرآة الماء ، حتّى انهلّ طالع وسمىّ ، وتلاه تابع ولىّ ، دنا فأسفّ ، ووكف فما كفّ . فما فتئ مسكوبا قطره ، محجوبا شمسه وبدره ، وجليت عروس الشمس ، معتذرة عن مغيبها بالأمس . فعندها مزّق عن الدقعاء صحيح إهابها ، واختزن درّ البر في أصداف ترابها . فما مرّت أيام إلا والقيعان مسندسه ، والآكام مطوّسه . ومن رسالة لأبى القاسم ، محمد بن عبد اللَّه بن أبي الجد في وصف مطر بعد قحط : قال : للَّه تعالى في عباده أسرار ، لا تدركها الأفكار ، وأحكام ، لا تنالها الأوهام . تختلف والعدل متّفق ، وتفترق والفضل مجتمع متّسق . ففي منحها نفائس المأمول ، وفى محنها مداوس [ 1 ] العقول . وفى أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقه ، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار خافقه . وربما تفتحت كمائم النوائب ، عن زهرات المواهب . وانسكبت غمائم الرزايا ، بنفحات العطايا . وصدع ليل اليأس صبح الرجاء ، وخلع عامل البأس والى الرخاء . ذلك تقدير اللطيف الخبير ، وتدبير العزيز القدير ! ولما ساءت بتثبط الغيث الظَّنون ، وانقبض من تبسط الشك اليقين ، واسترابت حياض الوهاد ، بعهود العهاد ، وتأهبت رياض النّجاد ، لبرود الحداد ، واكتحلت أجفان الأزهار ، بإثمد النقع المثار ، وتعطلت أجياد الأنوار ، من حلى الديمة المدرار ، أرسل اللَّه بين يدي رحمته ريحا بليلة الجناح ، مخيلة النّجاح ، سريعة الإلقاح . فنظمت عقود السحاب ، نظم السّخاب ، وأحكمت برود الغمام ، رائقة الأعلام . وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها ، ومدّت على الأرض أطنابها ، لم تلبث أن انهتك رواقها ،

--> [ 1 ] جمع مدوس [ أي مصاقل العقول ] :